الجنيد البغدادي

198

رسائل الجنيد

رسالة لأبي القاسم الجنيد إلى بعض إخوانه « 1 » لا زلت أيها الموجود بباب اللّه راتبا ، وبه منه إليه لما يحبه منك طالبا ، وله في آلائه وغريب أنبائه راغبا ، فحبك به عليه فيما يحبه لك ويبلغك إليه باصطفائه إلى ما يريده منك ليصطفيك فيما يوليك بما ينتخبه لك ويجتبيك ، ثم يبديك فيما يوليك ويخفيك في عزيز ما يبديك ، إعلاء لك عن مصادفة النواظر لحقيقتك ، وضن بك عن معرفة القلوب لمكانتك ، وضم لك بالاشتمال عليك إلى مصون منزلتك ، فكنت عند ذلك بحيث أرمس المكان مكونه ، وطمس الدلائل عليه من وهم متوهمه ، فكنت فيما هنالك بغيب لغيب انتفت عن حقائقه الشكوك والريب ، كما أن الحقائق بحق اليقين تعلم وملاحظة العيان لها محتجبة لا تتوهم ، ومن وراء ذلك توحيد الموحد وربانية الألوهية المتفرد على أولية أزلية وبقاء سرمد الأبدية وهناك ضلت مقاليد الفهماء ، ووقفت علوم العلماء ، وانتهت إليه غايات حكمة الحكماء ، وهذه غاية لما هذا نعته وسنا ذروه ، وانتهت الصفة إلى صفته ، ومن وراء ذلك برزخ إلى يوم يبعثون . وإذا بعث الخلق بعد انقضاء مدة برزخهم وأحيوا لحقيقة البعث بعد ميتتهم عرفوا إحياء الحي لمن أحياه ، وتركه في سرمد البقاء لمن أبقاه ، وفيما أشرت به من ذلك شرح يطول وصفه ، ولا يحتمل الكتاب نعته على كنهه . يا أخي رضي اللّه عنك ، وصل كتابك السار ظاهره وباطنه وأوله وآخره وسررت بما ضمنته من علم غريب وحكم عزيزة وإشارات واضحة منيرة ، ولم يخف علي ما عرضت به مع ما صرحت به وكل ذلك على علمي به وسبقي على فهم ما قصدت له بين عندي إلى أين موئله وإلى أين نهايته ومصدره ، ومن أين أوله وآخره وكيف جرى علي من جرى الحكم به ، لا عدمت استعصامك به منه وقيام عصمتك به له ، غلبت غوالب قاهرة وبدهت بواده باهرة ، أودت بقوة سلطانها تقاوم سلطانها بالتقاهر فيما قام منها ثم حمل بعضها على بعض فركدت متوارية وهي في الحقيقة بالقوة متظاهرة تحكمت بمنيع عز التصاول بلا أين ولا إلى

--> ( 1 ) هذه الرسالة مما نشر عن علي حسن عبد القادر ضمن رسائل الجنيد ، ص : 3 - 6 .